في بهو عريض بالمركز الصحي بمدينة المنزل يصطف عدد كبير من المرضى على مختلف علاتهم وقد حضروا مبكرا..منهم من جاء من الدواوير المجاورة وقد شد الرحال مع النسمات الأولى للفجر، يحذوه الأمل في الشفاء والحد من الألم..داخل غرفة الانتظار يزداد الترقب، هنا وهناك عيون متلهفة تترقب في بطئ شديد وأنين صامت.. تتزايد اللهفة مع مرور الوقت، وتشرئب الأعناق نحو المدخل بين الفينة والأخرى كلما ظهر زائر جديد،لكن الزوار لا يزيدون القاعة الا اكتظاظا دون جديد يذكر. هنا وهناك بين واقف وجالس تتحول لحظات الانتظار الى أنات احتظار..تتعمد عقارب الساعة التلكؤ في حركة دورانها، يكثر خفقان القلوب..تمر اللحظات ببطئ..وترتفع همهات ساخطة بين الحضور دون جدوى، ومع مرور الوقت يزداد الألم بدون أمل...
بعد العاشرة صباحا تحضر الطبيبة أخيرا..تتوزع عليها نظرات العيون الحائرة بين حاقد ومستغيث..يدب في القاعة نشاط عجيب،تتحرك عقارب الساعة لأول مرة بشكل مختلف.. يتم الكشف عن حالتين مختلفتين في آن واحد ربحا للوقت.. (ولم لا مادام للطبيبة أذنين اثنين)، تملأ الكشوف ، وتصرف الوجوه، وتفرغ القاعة تدريجيا، وتختزل ساعات الانتظار الطويل في ثوان معدودة..تضيع الآمال هباءا.. وتستمر المعانات مع الآلام...
مع اقتراب الزوال تزيد حالة الاستنفار، وتشتد الحركة، وتتسارع الأرجل، حتى تتمكن الطبيبة من الانصراف قبل الضهيرة.. فالفترة المسائية لا تعنيها على الاطلاق، وحتى وان التفتت اليها فلن يكون لديها الوقت الكافي لذلك، حيث ينتظرها خط سير طويل حتى تصل الى بيتها...
بعد الزوال..تتغير الأحوال..فتخلو الردهة من المنتظرين.. ويسود صمت مطبق بدل الأنين، وتصرف الوجوه عند الباب..بحجة الغياب.. وتفتح لائحة انتظار طويلة..لأصحاب المداخيل المحدودة.. وينتظر الصباح لتلتئم الجراح.. وفي انتظار غد بعيد..يعيش البسطاء على أمل جديد، وتكثر الدعوات الى العلي الحميد..أن تسكن الأوجاع..وتحضر الطبيبة بدل الانقطاع.. خصوصا مع تكرار هذه الحالة في غياب البديل، وتساهل المسؤول..مما ينذر برياح سخط عارم تلوح في الأفق، قد تترجم الى عاصفة عاتية تحصد الأخضر واليابس...
محمد شدادي
